المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : امراه في المزاد


علا بركات
08-02-2007, 12:59 AM
إمرأه.. في المزاد..

جلست ..في النافذة.. نافذة المحل ..الذي أعرض فيه نفسي للبيع ..أنتظر المشترين وأنتظر بدء المزاد.
نظرت إلي بطاقة التعريف المكتوبة إلي جواري..
الاسم : لا يهم أختر أي أسم شئت.
السن : قلبها ما زال شابا ينبض بالمشاعر .
الطول : انظر الأصل.
الوزن : انظر الأصل.
اللون : انظر الأصل.
الحالة الإجماعية : زوجه مخلصة ..أم… منذ قديم الأزل.
سبب البيع : وفاء لديون أحبابها.
الوسطاء يمتنعون .
" نظرت ..من خلف النافذة ..أشاهد وجوه المشترين ..بعد أن أعلنت الصحف عن المزاد..كانت النافذة تفصل بيني وبينهم ..لم أعلم للحظة.. من منا بائع ومن مشتري ..من منا وراء النافذة ومن أمامها ..من منا يتفرج علي الأخر ."
" من هذه ..؟ صديقة عمري ..جاءت تنظر إلي وتبتسم في مودة .. تري هل جاءت للفرجة أم للشراء .؟"
" من هؤلاء ..أقاربي ..خالاتي وعماتي وأعمامي وأخوالي ... مضت مده طويلة جدا لم نتقابل ..كل واحد منا مشغول بدوامة الحياة ..بالتأكيد جاءوا للفرجة ..فالعلاقة بيننا فاترة بدرجة لا تجعل أي واحد منهم يضع يده في جيبه ويخرج لي قرشا ..رغم أنهم يملكون المال ... لو كنت أعلم فيكم خيرا… للجأت إليكم دون الحاجة إلي مزاد وجرسه علنية.. "
" عموما ..هذا المزاد كان فكرتي أنا ..إنه ليس بيعا لجسدي ..كما قد يتصور البعض ..ولكنه موقف احتجاج.. علي أحبابي الذين تحملت من أجلهم الكثير ولم يعطونني في المقابل شيئا يذكر ..ربما لأنني لم أطلب منهم .. ومن أجل أن أكمل تضحياتي لهم ..قررت أن أبيع الشيء الوحيد الذي لم أعد أملك غيره ...حريتي. "
" من هؤلاء ..جيراني ..كلهم جاءوا للفرجة.. فلا أحد فيهم مقرب مني بدرجة تجعله أو تجعلها تنفق المال لشراء حريتي ..كما أنهم لا يملكون المال أصلا ..كلهم موظفون ..غلابة ..يعيشون الشهر كله علي السلف والقسط.. حتى يأتي يوم قبض المرتب فيسرعون عائدين به إلي المنزل.. ليفرقوه بين الديون والجمعيات والأقساط .. ويعيشون باقي الشهر وهم يغنون موال ربنا يستر .. أحيانا أحس أنهم يستعذبون حياتهم بهذه الطريقة حتى أشك في أنهم يعرفون أي متعه أخري للحياة بخلاف موال الصبر هذا . "
" أخي الوحيد ..وأختي الوحيدة ..ضاعا في بلاد الغربة ونصحتهم بالا يعودا مرة أخري إلي هذا الوطن.. الذي يبصق أولاده علي جدران الفقر والصبر ..لم يعد يربطني بهم سوي بعض رنات الموبايل .. وبعض رسائل البريد الإلكتروني أحيانا..وبعض الهدايا المتبادلة عندما يعودون في الإجازات. "
" ومن هؤلاء ..لا أعرفهم .. "
" أما أحبابي ..زوجي وأولادي ..جلسوا علي كراسي منفصلة عن الناس ..وعلي وجوههم ابتسامه بلهاء ..لا أدري معناها ..ربما ابتسامة أمل في أن يوفي ثمني الديون ويظل لهم بعض المال لينفقوه علي شيء ضروري في نظرهم ..أو ربما هي ابتسامة سعادة بالخلاص من أم وزوجه مستبدة ..تقضي وقتها طوال اليوم في الصراخ من أجل أن يظل المنزل نظيفا ..وحجراتهم مرتبه ..ولينجزوا واجباتهم المنزلية .. والمدرسية ..وليحافظوا علي تفوقهم الدراسي ."
" تحاشيت النظر إليهم ..حتى لا تنهمر دموعي رغما عني .."
" جلست أتذكر ..كيف عاد زوجي من الغربة بعد سبع سنوات قضيتها وحيدة مع أطفالي.. لا أراه سوي شهر واحد في العام ..نتعامل فيه مثل الأغراب تماما ..فلا هو يحاول أن يكون علي طبيعته ..ولا أنا أحاول خلق أي مشاكل بيننا أبدا.. حتى يمر الشهر علي خير ويعود كل منا إلي حياته التي يعرفها .. سبع سنوات لا يعلم أي منا عن الأخر شيئا سوي ما يريد الأخر له أن يعرفه ..أنجبت فيها ولدا وبنتا ..لم يتعب في تربيتهما ..لم يهرول معي في منتصف الليالي الباردة إلي أقرب طبيب لعلاج الحمي أو الإسهال والمغص .. لم يحضر فيها معي أية مناسبة سعيدة أو حزينة " "كانت متعلقاتي الشخصية أنا وأولادي مفرقة بين منزلي ومنزل والدتي .."
" عاد ببعض الأموال القليلة التي تبقت بعد الهدايا واستكمال ثمن وفرش الشقة التي عشت فيها علي أقل القليل حتى انتهينا من فرشها.."
" أصر علي عمل مشروع صناعي ..ورغم تحذيراتي الكثيرة له أنا وكل من يعرفه بأن ما معه من مال لن يكفي.. وأنه لا يمتلك الخبرة الكافية للإدارة.. وبأن الوضع الاقتصادي للبلد لا يتحمل مشروعات صناعية ..وبدون فائدة من الكلام ..أو النصيحة بأن يضع أمواله في أحد البنوك ويجد لنفسه عملا باللغة الأجنبية الصعبة التي أتقنها تماما ."
" أصر علي أن يفتح مصنعا ..وضاعت تحويشة سنين الغربة في تأجير وأعداد المكان ..ثم بدأ دوامة الاقتراض ..من البنك ليشتري ماكينة ..من بنك أخر ليشتري خامات ..من أقاربه لتشغيل الخامات ..من أشخاص غرباء لسداد أقساط البنوك .
شهر وراء شهر ..وعام بعد عام ..والمشروع يتعثر أكثر وأكثر وأكثر .. والديون تتراكم أكثر وأكثر وأكثر ..والكل يعاني.. أنا وأولادي ..الضامنين في البنوك من أفراد أسرته وأسرتي ..الدائنين من الأسرتين ..يأتي موعد المرتبات فيدور في حلقة مفرغة.. كيف يدبر مرتبات الضامنين التي يحجز عليها البنك ..ما هذه البنوك ؟من أين اخترعوا هذا النظام العقيم الذي يسمي الصندوق الاجتماعي ؟لا هم له إلا أخذ الأموال والفوائد ليعملوا جميعا في مكاتب مكيفة ..مريحة ويقبضون مرتبات كببييييرة ..كيف يحسون إذن بما يعانيه أصحاب الدخول المعدومة التي تسببت قرارات اقتصادية ظالمة في حرمانهم من الدخل والنوم ..والراحة ..بل وحتى الأمل في غد أفضل .."
" اختلست النظر إليه ..كانت ملابسه ..كالعادة ..مليئة بالشحم والزيت ..وتفوح منها رائحة الجاز ..كان يرتدي ..القميص الجديد لأول مرة ..ومع هذا لوثة في المصنع ..
أهذا هو الرجل الذي تزوجته منذ أربعة عشر عاما ..لقد اخترته لأنه كان ...كان ..يا ألهي ..لقد نسيت كيف كان يبدو منذ أربعة عشر عاما ..نعم ..كان أنيقا ..رقيقا كالنسمه ..في كلماته ..في تصرفاته ..مبتسما دائما ..كأنما الربيع يلمع في عينيه في كل وقت ..كان متأثرا بحياته في تلك الدولة الأوروبية التي كان يعيش فيها ..طموحه ليس له حدود ..أحلامه المستحيلة كأنها بين يديه.."
" أما الآن ..فاليأس يقفز من عينيه ويكاد يقتلني ..وأصبحت تصرفاته وكلماته كلها تلاءم تماما العمال الجهلة الذين يتعامل معهم ."
" أما أولادي ..أه من أولادي ..نقطة ضعفي الوحيدة في هذه الدنيا ..ألمي
وجرحي وخوفي وأعصابي وجنوني..لا أتحمل عليهم أي شيء .."
" من هؤلاء ..؟ صحفيون ..خذوا الصور التي تريدونها ..أنا كل امرأة مصريه معذبة بزوجها ..وأولادها ..بالظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة في البلد.
هل تظنون أن ما تلتقطونه في الصور هو وجهي أنا ..؟ لا أنه وجه الصبر علي العيش والذل في هذا البلد .."
" هل تعتقدون أنني أبيع نفسي ..حسنا ..لقد باعت مصر نفسها أولا ..وما أقوم به الآن هو نوع من الخصخصة ."
" لم تأت أمي ..ربما تكره أن تراني هكذا ..لطالما حاولت إقناعي ألا أفعل ذلك ولكني كنت أصر.. أن يصل صوتي إلي كل رجل عنيد في الخطأ ..وإلي كل امرأة متفانية في التضحية بالذات."
" أما لماذا كان هذا الإصرار ..لأنه في النهاية ..زوجي ..جاءني بالبشرة للخلاص مما نحن فيه من الديون .. كيف ؟ حل عبقري كما قال لي .."
" له قريب يعمل في إحدى القري السياحية ..تعرف علي سيدة أجنبية ..كبيرة في السن ..لا يهم ..في عمر والدته ..لا يهم ..لكنه تزوجها.. انفتحت له طاقة الأموال والغني والسعادة ..ركب سياره لم يكن يحلم بها ..وأشتري شقة لم يكن يعلم حتى بوجودها في الحياة .. حمل عدة موبيلات مرة واحدة .. تذهب إلي بلدها لمده ثلاثة أو أربعة اشهر ثم تعود إليه لمده شهر لتلقي أمامه عده آلاف من الجنيهات ..يصرف منها بغير حساب .. وكان هذا هو الحل العبقري ..يتزوج من سيدة أجنبية مثلها لعدة سنوات يسدد فيها ديونه ثم يطلقها ..المسكينة التي لا ذنب لها ..ولكن ..كانت المشكلة الوحيدة أنهم لا يعترفون بالزواج من أكثر من أمراه ..لذلك كان لزاما عليه أن يطلقني أولا ..!!"
" لهذا كان لابد لي من موقف ..موقف احتجاج علي كل شيء."
" لقد أكتمل كل شيء ..متي سيبدءون المزاد أذن ."
" يا ألهي ..يا الهي ..من هذا ..لا ..لا يمكن أن يكون ..لا يمكن ..
كم أتمني أن تبتلعني الأرض ..كم أتمني أن تتخطفني الطير ..كم أتمني أن أصبح عدما …لا يمكن أن يكون …هو.."
" يا لله ..هل يمكن أن يشتري حريتي ..؟هل جاء للفرجة هو الأخر أم ليشارك في المزاد..؟"
" ياه ..سنوات طويلة ..طويلة جدا ..تفصلني عن هذا الزمن ..
كان زمنا أخر ..كنت فتاه أخري ..وكان عمرا أخر ..ربما أيضا كانت حياة أخري ..ربما أرضا أخري ..لم أعد تلك الفتاه المرحة المعجونة بالتفاؤل والأمل ..أنظر إلي جيدا ..لست أنا ..لم اعد أنا ..ضاعت مني الأنا ..الآن أصبحت زوجة فلان ..وأم فلان وفلانه وفلانه..لم يعد لي وجود إلا في وجودهم .."
" لماذا جئت ..لماذا تجلس الآن بالقرب مني ..لقد أخطأت بتصرفي هذا ..كانت أمي علي حق ..عندما حاولت إقناعي بالعدول عن تلك الفكرة الغبية .."
" لا يمكن أن أستمر في هذه المهزلة السخيفة ..أنا لست سلعة ..أنا لست جارية أباع وأشتري ..لا ..من المسئول عن هذا المزاد .."
" تذكرت الآن ..كارثة ..هناك شرط في العقد ..لا يجوز لي أن أنسحب من المزاد مهما كانت الظروف ..وإلا أصبحت ملكا للبنك يضعني في السجن وفاء للديون ..
ما هذا السخف ..هل أنا مجنونة لأوافق علي هذا الشرط ..؟ نعم لابد أن أكون مجنونة لأفعل ذلك ..ما معني التضحية ..التضحية ..كلمه سخيفة لا تعني شيئا خاصة عندما لا نملك الشيء الذي نضحي به ..وهل حياتي ملكا لي ..الحياة كلها ملكا لله تعالي ..
أريد أن أصرخ ..أخرجوني من هنا ..أخرجوني من هنا .."
" من كل هؤلاء النساء ..لا أعرفهن ..ما هذا ..كل نساء مصر حضرن لمشاهدة ما سيحدث ..وما كل هذا الحزن المطل من وجوههن ..؟ ماذا هل يفكرن في أن يفعلن مثلما فعلت أنا ..لقد كان ذلك حماقة مني ..صدقوني .. إنها مهزلة.."
بدأ المزاد ..
" أه ..ها قد بدأ المزاد ..من يريد يا امرأة ..؟ من يريدك بسنوات عمرك الثقيلة ..بالتفاؤل الذي مات بداخلك ..بقلبك المهلهل ..بالتجاعيد المحفورة في مشاعرك ..من يريدك..؟"
خمسة …عشرة..خمسة عشرة.. عشرون … ثلاثون ..خمسون..مائة..مائتان..خمسمائة..ألف …ألفان ..خمسة آلاف..
سكوت ..
" خمسة آلاف فقط ..كل ما يساوي عمري ..يابلاش.."
سبعة آلاف ..عشرة آلاف ..عشرون ألفا ..ثمانية وعشرين ألفا ..ثلاثون ألفا ..
سكوت.
" ثلاثون ألفا ..أحافظ علي منزلي من الضياع ..وأشتري حياة ثلاثة أطفال ..بثلاثين ألفا .."
خمسة وثلاثون ألفا ..سبعة وثلاثون ألفا..أربعون ألفا ..
سكوت .
" أربعون ألفا..أنا لا أساوي ربع ثمن الماكينة التي أقترض زوجي ثمنها عندما بدأ مشروعة ….نعم ..نعم ..الماكينة لن تموت ..بل يمكن تغيير كل قطعة منها أما أنا ..فمصيري ألي الموت ..ومن يدري ..ربما أموت الآن ..من خجلي ..من عرقي البارد الذي يغمرني ..لكن الماكينة ليس لها قلب ..لن تحب زوجي وأولادي مثلي ..لن تضحي من أجلهم .. "
خمسون ألفا ..ستون ألفا ..ثمانون ألفا ..
سكوت.
" ما هذا ..إن ديون أحبابي أكثر من هذا بكثير ..إذا لم يوف بيعي هذه الديون ..من سيبيع نفسه بعدي لسدادها ..؟"
مائه ألف ..مائه وعشرة ..وعشرون ..وخمسون ..وثمانون ..مائتين ألف ..مائتين وثلاثون ..
سكوت .
ثلاثمائة ألف ..
" ما هذا الصوت ..؟ من أين أتي ..؟ "
نظر الجميع إلى الخلف ..من ..؟ من هذه ..يا ألهي ..أنها ..أنها ..أمي …من أين لها كل هذا المال .
ثلاثمائة ألف ………………….آلاأونا.
ثلاثمائة ألف ………………….آلادوي.
ثلاثمائة ألف ………………….ألاتريه.
مبروك.
اقتربت مني .. نظرت لي .. قالت :
" أنا أريدك ..تأخرت لأني كنت أبيع كل شيء ..لأشتريك ..اتصلت بأخوتك ..ساهموا أيضا ..أترين لهفتك ..علي أولادك ..وهم مازالوا بعد أطفالا ..فما بالك بلهفتي عليك وأنت ابنتي وصديقة عمري ..
لم أدري ماذا أقول ..كانت دموعي ..تختلط بعرقي ..ولم أدري ماذا أقول ..

تمت
علا بركات

دمعةالمقهور
08-02-2007, 03:23 AM
مشكور على الموضوع

امير الوفا
09-02-2007, 06:24 PM
شكرا عالموضوع

الد لوعة
27-02-2007, 07:31 PM
مشكورة

yhya10
19-04-2007, 12:51 AM
والله سارة الحريم لعبة ولا كيف في هذا الزمن